تَرَمَّلَ أَحَدُ الأُدَبَاءِ// بقلم الكاتب : يوسف صافي الجيل

تَرَمَّلَ أَحَدُ الأُدَبَاءِ الكِبَارِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ ، وَكَانَ يَعِيشُ فِي ضِيقٍ وضَنْكٍ شَدِيدَينِ ، فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَوِّجُهُ ، ثُمَّ رَاحَ يَتَوَدَّدُ لِأَحَدِ تَلَامِيذِهِ ، وَكَانَ تِلْمِيذُهُ هَذَا مِنَ الَّذِينَ أَدْرَكَتْهُم حِرْفَةُ الأدَبِ أَيْضاً ، وَلَهُ بِنْتٌ يَافِعَةٌ قَدْ قَارَبَتْ سِنَّ الزَّوَاجِ ، فَتَعَاطَفَ مَعَ مُعَلِّمِهِ ، وَتَفَهَّمَ الضَّائِقَةَ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا ، وَكَانَ ذَوَّاقاً إِلَى حَدِّ أَنَّهُ عَرَضَ عَلَيهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِابْنَتِهِ تِلْكَ ، فَفَرِحَ الأَدِيبُ الكَبِيرُ بِذَلِكَ ، وَجَمَعَ كُلَّ مَا ادَّخَرَهُ مِنْ مَالٍ فِي مَسِيرَتِهِ الأَدَبِيَّةِ ، وَاقْتَرَضَ عَلَيهِ مَالاً آخَراً أَتَمَّ بِهِ المَهْرَ ، وَأَثَاثَ المَنْزِلِ ، وَتَكَالِيفَ العُرْسِ ، وَ بَاقِي المُسْتَلْزَمَاتِ ، وَ تَزَوَجَ وَأَخَذَ العَرُوسَ إِلَى مَنْزِلِهِ الجَدِيدِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ ، وَدَخَلَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ ، فَمَا طَلَعَ الصُّبْحُ إِلَّا وَالفَتَاةُ قَدْ مَاتَتَ ، فَوَقَعَ فِي حَيْرَةٍ شَدِيدَةٍ ، وَحَزِنَ عَلَيهَا حُزْناً شَدِيداً ، وَلَمْ يَدْرِ مَا الَّذِي حَدَثَ لَهَا ، وَكَانَ حِيْنَهَا قَدْ طَفَّرَ مِنْ تَكَالِيفِ العُرْسِ ؛ فَلَمْ يَبْقَ لَدَيهِ حَتَّى سَبَارِيتٌ قَلِيلَةٌ مِنَ المَالِ ، فَعَجِزَ حَتّى عَنْ أُجْرَةِ المُوَاصَلاتِ نَاهِيكَ بِبَاقِي التَّكَالِيفِ ، فَغَسَّلَهَا بِنَفْسِهِ ، وَلَفَّهَا بِقِطْعَةِ قِمَاشٍ أَبْيَضٍ ، وَوَضَعَ عَلَيهَا بَعْضَ الوُرُودِ ، وَحَمَلَهَا بَيْنَ يَدَيهِ يَسِيرُ بِهَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالأَزِقَّةِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، وَرَاحَ يُنْشِدُ لَهُ : ] مجزوء الكامل المذيّل [ أَهْــدَيْتَنِي حُــورِيَّـةً لَـمْ يَهْـنَهَـا إِلاَّ الجِــــنَـانْ قَبَّلْتُهَــــا فَتَحَفَّــزَتْ وَتَصَـارَعَتْ لَا كَالحِـسَانْ أَلْجَمْتُهَــــا فَتَفَـلَّتَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ إِلَى العِـنَانْ فَمَغَـطُّهَا مَغْـطاً كَمَا تُشَـــدُّ قَــوْسٌ لِلـسِّـــنَانْ فَـغَـــادَرَتْنِي أَرْمَـلاً سَبَقَ البُرَاقَ بِلَا حِصَـانْ وَلْيَهْنَهَـا زَوْجٌ هُـنَا كَ بِغَـيرِ أَثْمَــانٍ تُصَـــانْ

فَقَالَ التِّلْمِيذُ لِمُعَلِّمِهِ: وَمِنْ أَيْنَ لِي بِثَمَنِ الجَنَازَةِ ؟
فَقَالَ الأَدِيبُ: وَمَا ذَنْبِي أَنَا ؟ قَدِ اقْتَرَضْتُ بِمَا فِيهِ الكِفَايَةُ .
وَاحْتَدَمَ الأَمْرُ بَينَهُمَا ، وَقَالَ لَهُ الأَدِيبُ فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ ، وَكَانَ لَا يَزَالُ حَامِلاً الفَتَاةَ بَيْنَ سَاعِدَيهِ وَالنَّاسُ قَدْ تَجَمْهَرُوا مِنْ حَوْلِهِم: دَعْنِي أَدْخُلُ إِلَى الدَّارِ فَقَدْ تَعِبْتُ مِنْ حَمْلِهَا .
فَاسْتَشَاطَ التِلْمِيذُ غَضَباً ، وَسَدَّدَ لَهُ لَكْمَةً قَوِيَّةً ، فَوَضَعَ الأَدِيبُ جُثَّةَ الفَتَاةِ جَانِباً ، وَسَدَّدَ لَهُ لَكَّمَةً بِالمِثْلِ ، وَدَخَلا فِي عِرَاكٍ مَرِيرٍ.
تَجَمَّعَ النَّاسُ وَجَاءَتِ الشُّرْطَةُ ، وَسَأَلُوا أَحَدَ الشُّهُودِ عَمَّا يَجْرِي ، فَأَخْبَرَهُم بِأَنَّهَا ( بُنَيَّةٌ ) يَتَصَارَعَانِ مِنْ أَجْلِ مَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَ جَنَازَتِهَا ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِيْنِ وَالعَامَّةُ تُسَمِّي الَّكْمَةَ : بُنْيَةٌ ، وَبُنِيَّةٌ .
تأليف د/ يوسف صافي الجيل

اكتب تعليقًا